أهلا وسهلا بك إلى عبدالرحمن يوسف - شعر، أدب، ثقافة، تعليم، سياسة، أخبار.

النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1
    عضو نشط
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    183

    افتراضي قراءه فى شعر بيرم التونسى

    إ ن التنوع الذى تتجلى ممن خلاله أزجال بيرم تضيق هذه الصفحات عن استيعابه بشكل إحصائى ، خاصة مع كثرة دواوينه وتنوعها ، فضلا عن استخدامه للبحر الموالى "البسيط" فى عدد كبير من أزجاله .

    · بيرم وبحر البسيط

    إن استخدام بيرم لبحر البسيط مع بعض الخروج عليه ، خاصة مع تجربة شعرية كبيرة تنتفض أحيانا على الانتظام الكمى للعروض الخليلى ، ويبدو أن بيرم كان مغرما بهذا البحر وإيقاعه الذى يتسق مع الحكمة الـمُشكَّلة ، فقد كتب بيرم من خلال هذا البحر حوالى 42% من أزجاله (28) ، ونظن أن هذا البحر
    الذى يقارب إيقاعه إيقاعات الموال هو خير دليل على جدل أزجال بيرم وزنيا مع الموال .
    إن المؤرخين قد درجوا فى كتابتهم على القول إن للموال وزنا واحدا وأربع قواف ، وهو من بحر البسيط ، ومن أجزائها _ يقصد القوافى _ فاعل ، فعال ، أفعل (29) ، و الموال على هذا النحو تكون أجزاؤه : (مستفعلن _ فاعلن _مستفعلن _ فعلن ) ، وهناك ضروب أشار إليها المؤرخون منها :
    § مستفعلن ـ فاعلن مستفعلن ـ فاعلن
    § مستفعلن ـ فاعلن مستفعلن ـ فعلن
    § مستفعلن ـ فاعلن مستفعلن ـ فعلان (30)
    وتواتر كلام الباحثين عن بحر البسيط بعدِّه بحرا للموال دون تحليل لعروضه، والوقوف على تحولات التفاعيل ، مكتفين بما نقلوه عمن سبقهم ، أو راضين بأن الحس دلهم على أن هذا
    الموال أو ذاك هو من بحر البسيط ، وبناء على ذلك التواتر ، فقد أصبح البسيط لصيقا بالموال .
    لقد رصد الخليل بن أحمد الفراهيدى من خلال الشعر الخاص ، وهو نتاج بنيه ثقافية وأيديولوجية خاصة مرتبطة بزمكانية معينة ، وإن صح خضوع الشعر الخاص لقواعد الخليل فإنها قد لا تصح فى بنيات أيديولوجية أخرى ، وبالتالى فإن دراسة الإيقاع فى الشعر الشعبي تحتاج إلى أدوات تحليل جديدة تكون قادرة على وصف هذا الإيقاع ، واكتشاف طبيعة العلاقات التى تسهم فى تشكيل هذا الإيقاع منها :
    1) العلاقـة بين إيقاع الشعر و طبيعة الجماعة ، أو الشاعر المنتج للنص من حيث : اللهجة ، عناصر البيئة الطبوغرافية ، الإيقاع الداخلى للمبدع المحكوم بأطر حضـارية ، طبقية ، اجتماعية ، سيكولوجية .
    1) العلاقة بين الإيقاع ووظيفة النص من حيث الشكل .
    2) مناسبة النص .
    3) الوظيفة الاجتماعية للجماعة المحلية التى تنتمى للجماعة الشعبية بالنسبة للنص الشعبي (البناء _ الصيد ……إلخ ) وبالنسبة للزجال تمرد نصه أو خضوعه للتقاليد ، كل ذلك سيكون له أثر بالغ فى إيقاع نصه (31) .

    1) العلاقة الظاهرة لإيقاع المفردة بدلالتها ، أي علاقة البنية الصوتية للمفردات والسياقات بالبنية الدلالية .
    حلَّق وحوش إمسك الطرطور على ماجى إلى أن آتى
    إللى المَـَره معوماه كالفـلك على ماجى على موجه
    عبيـط وعامـل لأنـه واد علامـاجى من العلم :علمجى

    بيحب بـره ومـراته محـيراه حـاره حيرة
    إن قـال لـها بم تبقى بلـوته حـاره حارَّه
    بتغيب عن الدار ولا يعرف لـها حـاره أصغر من الشارع
    وتقول يا جاره إدِّيه المفـاتيح على ماجى

    حللق وحوش إمسكط - طرطور على ماجى
    /5/5//55 -/5//5 - /5/55//5 - /5/5
    مستفعـلان فاعلـن مستفـعْ علن فعلن
    إللى المَـَره م عوماه كالفـلك على- ماجى
    /5 /5//5 - /5//55 - /5/5///5 - /5/5
    مستفعلـن _ فاعـلان مستفعللـن فعلن
    عبيـط وعا مـل لأن نه واد علا مـاجى
    //55//5 - /5//5 - /5/5//5 - /5/5
    متفعْ علن فاعـلـن مستفعلـن فعلن
    بيحببى بـر- ره ومـرا- ته محـييراه حـاره
    /5/5//5 - /5/5/5 - /5/5 //5 - /5/5
    مستفعلـن فعلن فع مستفعلـن فعلن
    إن قـال لـها بم تب قى بلـوته حـاره
    /5/5//5 - /5/5- /5/5//5 - /5/5
    مستفعلـن فعلن مستفعلـن فعلن
    بتغيب عن الد دار ولا يعرف لـها حـاره
    /5/5 5//5 - /5//5 - /5/5//5 - /5/5
    مستفعْ لـن فاعلـن مستفعلن - فعـلن
    وتقول يا جا - ردهل - مفاتيح على - ماجى
    /5/55//5 - /5/5/5 - //5/55 //5 - /5/5
    مستفع ْ علن فعلن فع مفـاع عـلن فعلـن


    ومن خلال تقطيع مجموعة كبيرة من المواويل قدمتها فى دراسة سابقة (32) ،لاحظنا عددا من الخروجات على نظام الخليل بن أحمد ، خاصة فى بحر البسيط ، وهى تؤكد على الخصوصية
    الإيقاعية للموال ، فالانتظام الكمى للشعر الرسمى لم يسجن الشعراء الشعبيين فى نظامه55555 ، إذ إن العبرة بتحقق القول شعرا ، وتحقق الجماعة فى القول ، ومن هنا نؤكد على أن الأوزان التى استنبطها الخليل ، وما وصفه من قواعد ليست هى القول الفصل فى أمر موسيقى الشعر ، وبالتالى لا يجب أن ننفى شعرية الشعر الخارج عن أطر البحر أو التفعيلة ، يؤكد هذا الرأى الزمخشرى قائلا : "والنظم على وزن مخترع خارج على أوزان الخليل لا يقدح فى كونه شعرا ، ولا يخرجه عن كونه شعرا "(33)
    ومن خلال التحليل العروضى لعدد من المواويل ، تم رصد مجموعة من الانحرافات على تفعيلتى "مستفعلن فعلن" ، والموال السابق خير دليل على هذا الخروج ، ونستطيع أن نستنج من خلال تحولات البسيط ما يأتى :
    § التقاء الساكنين فى الكلمة الواحدة ، كذلك فى وسط البيت الشعرى ، وذلك فى كل من " مستفعلن فاعلن " ، والتقاء الساكنين لا يجوز فى العربية إلا فى حالتين هما :-
    الأولى : حالة الوقف .
    الثانية : فى وسط الكلمة بشرط ان يكون الحرف الأول من الساكنين حرف مد ، والثانى مدغما فى مثله ، نحو " دابة ، وشابة" (34) .
    نعتقد أن الشعر الشعبى ليس وحده هو الذى يمثل هذا الخروج ، وإنما سنجده جليا فى أزجال بيرم ، وقد ينسحب ذلك الأمر على العاميات بعدِّها نصوصا تحتل فيها قيم الشفاهة قدرا كبيرا ، إضافة لخروجها عن الأطر النحوية والصرفية ، أى عن أجرومية اللغة العربية ، لذا فإنها تعزف عل أوتار تناسب طاقتها ، وتعزف عن صرامة الخليل .
    2 المربع / الواو

    المربع فن شعرى ، يرتبط بشاعر مصرى اسمه ابن عروس ، وقد اختلف حول وجوده ومصريته ، وان كانت معظم المراجع مع نصوصه ، بما لها من خصائص فنية ، تؤكد على مصريته ، وكما يطلق على هذا الفن اسم "المربع" نسبة إلى عدد أغصانه ، يطلق عليه أيضا اصطلاح فن "الواو" ، والأخير يأخذ الشكل والميزان نفسيهما ، إلا أنه يقوم على التجنيس الكثيف فى قوافيه ، ويشترك مع بعض الأشعار الشعبية فى خصيصة تغميض القوافى لدرجة أن بعض رواته يطلقون عليه مع هذه الفنون "قول مقفول" (35).

    ياللى بتنـده عايز مين من تريد ؟ الطرح أ
    خولى الجنيـنه عبَّا تانى مدمجة : عبأ .. تين العتب ب
    كلام العوازل عايزمين مدمجة : يأذى .. من الشد أ

    خلَّا اللى طاب عبَّا تانى امتلأ مرة أخرى الصيد ب
    والمربع يتكون فى بنائه من أربع حركات هى :
    (1) الطرح (2) العتب (3) الشد (4) الصيد .
    ويسير على النسق التالى ( أ - ب - أ - ب) ، كما أنه ينتمى وزنا إلى بحر المجتث "مستفعلن فاعلاتن - مستفعلن فاعلاتن "، وهو يرتكز على لعبة التجنيس ليحدث المفارقة الصوتية / الدلالية فى "الصيد" ، أى فيما يصطاده الشاعر من حكمة فى نهاية مربعه (36).
    وقد كتب بيرم عددا من المربعات ، وإن كانت أقل الأشكال كماً فى دواوينه :

    قريت ومليت كفايه
    خوف السقوط والبطاله
    وكل ما ازداد قرايه
    بالـدنيـا أزداد جهـاله
    ****
    يا طالب العلم تنداس
    لو يبقى علمك بضاعه
    تنفع وتستنفع الناس
    لو كنت صاحب صناعه
    ****
    يا عـالـم العلـم بالله
    يـزيد فى نـور البصيره
    واللى استنـارت نـواياه
    يلقى الدهب فى الحصـيره
    ****
    إن كـت تطلـب رضـا الله
    يجعـل لك الـناس عبيدك
    وإن كنت تطلب رضا الناس
    أقـلهـم يبقـى سيـدك
    *****
    الحلـم والصـبر كنـزين
    روتشيلد محتـاج إليهـم
    واللى يقـول الكـنوز فين
    إبـكـى يا عيـنى عليهـم (37)
    *****
    ومن خلال قراءة هذه المربعات ، سنلمح حسا حِكميا يتخللها،كما سنجد تجنيسا ليس كاملا فى قوافى مربعاته،كما سنلمح أن مربعات بيرم مشبعة بظلال مربعات ابن عروس:
    اللى يداديك داديـه
    واجعل عيالك عبيده
    واللى يعاديك عاديه
    روحك مهياش بإيده
    ***********
    دنيا تجاريب تجاريب
    تاهت فيها البصاره
    المعزه تجرى ورا الديب
    والسبع تاكله الحماره
    *************
    الصبـر لأبأس بالصبـر
    لكـل مـن راح تواسى
    قلِّب كفوفك على الجمر
    حـتى تنـول الخـلاصى
    *************
    لوكنـت خايـف مـن الله
    ولا مـن القـبر والـهول
    ما كنـت تغـتر بالجـاه
    والظلم والجـور والصـول (37)
    *************
    ومن خلال قراءة مربعات ابن عروس ، سنجد ظلالا لمفرداتها وطرائقها الأسلوبية فى مربعات بيرم التونسى ، وقد كان بيرم من الذكاء بحيث صنع مربعاته بشكل لا يشى بشبهة الاندياح فى النص العروسى ، فحكمة بيرم مرتبطة بوقائع آنية اجتماعية تخص
    الظروف التى عاشها وعاينها ، بينما كانت ولا تزال حكمة ابن عروس هى حكمة الجماعة الشعبية ، إذ إنه شاعر المواجهة المعلنة على عكس ابن عروس الذى فرض عليه عصره أن يغمّض بعض قوافيه ، حيث ارتبط مربعه بالكلام عن الظلم ،والخضوع للظالمإلخ ، فقد كان ابن عروس ، حسبما دلتنا معظم الروايات (38) ، ابنا لظروف يحوطها القهر والبطش والغلظة فى عصر المماليك ، فضلا عن كونه شاعرا شفاهيا يحقق تغميضه لبعض قوافيه جماليات خاصـة ، بينما بيرم شاعر كتابى ، لذا فقوافيه واضحة نافذة إلى لب قضيته .

    3 السيرة الشعبية
    إ ن شاعر الربابة غالبا يؤدى نصه فوق منصة مرتفعة قليلا عن الأرض ، حيث يبدأ العزف الافتتاحى الذى يعد بمثابة "الفرشه" التى يقصد بها الشاعر تهيئة المناخ للتلقى ، كما تظهر براعته فى العزف تباعا ، حتى يكتسب مصداقية تتأكد وتتعمق ببداية "القول" ، وللسيرة تقاليد يتبعها الشاعر قبل دخوله فى الأحداث ، حيث يبدأ أولا بذكر الله والصلاة على النبى ومدحه ، وهو يمهد بهذه "التمهيدة" الثانية لدخول عالم السيرة ، وهذا الجزء التأصيلى الذى يمنح شخوص سيرته ، بل يمنحه هو أيضا المصداقية ، ولا ينفصل هذا الجزء الممهد للدخول عن بنية النص "السيرى" ، وإن كانت بعض الروايات تكون فيه متفاصحة فى محاولة للتقرب من قداسة النص الدينى ، كما أنها فى الوقت نفسه تضفى على شخوصها قدرا من الاحترام والتبجيل الذى قد يصل إلى حد التقديس (39).

    "لم يخلق الرحمن مِثَل محـمدٍ
    نبى الهدى اللى جانا بالقرآن
    صلى عَلَيْكَ اللهُ يا عَلَمَ الهدى
    يا نور العيون يا صفوة الرحمنِ"
    بعدها تتوالى المربعات التى تصلى على النبى ومدحه :
    "صـلاة النبى تغـنى عن القوت
    وتمنع الـبلا 000 والمراضـى
    يستـاهـل علقتـه بالسـوط
    اللى معاه كفو الزياره ما راضى "
    ************
    وبعد مدح النبى والشكوى من غِيَر الأيام ينتقل الشاعر إلى سرد أحداث السيرة فى شعرية تربط بين "الصلاة على النبى ومدحه" وما سيأتى من أحداث .
    إن بيرم لم يفته ذلك العالم الثرى المثير ؛ عالم السيرة ، لذا فقد كان مدخله فى عدد كبير من قصائده مدخلا سيريا ؛ مدخل شاعر الربابة ، وقد قمنا برصد افتتاحيات القصائد / المداخل :
    أصلى على صاحب الرسالة محمد

    نبى وطنى جاهد وشاف الصعايب
    (قصيدة القنال : ص32)
    أصلى على المبعوث نبينا محمد
    ا لمنتخب للخلق يوم الشفايع
    (لجنة ملنر : ص42)
    أول ما نبدى القول نصلى على النبى
    زغلول راجع منصور وجايب خبرها
    (ضياع جغبوب: ص 46 )
    أصلى على الهاشمى نبينا حبيبى
    محمد المبعوث فى قوم صالح
    يقول الفتى الطهقان مما جرى له
    والهم والأحزان تصدى القرايح
    (الرياضة : ص 55)
    أول ما نبدى القول نصلى على النبى
    نبى عـربى يلعـن أبـوك يا بخيت
    تانى كلامى وفـد مصـر بلـدنا
    ولع شموعـه والتـقى بكبـريت
    (على الربابة : ص :66)
    أصـلى على النبى العـربى محمد
    واسلم ع المسيح عيسى النصارى
    يقول المصطفى الغـازى حـبيبى
    وسيف الشرق من طنطا لبخارى



    (حرب الترك واليونان: ص :102)
    من عهد ما شبيت أصلى على النبى
    نبينا اللى يهجم ع العدا على طول
    (هزيمة اليونان ص : 103)
    أشوف نسانا اليوم واصلى على النبى
    اللى أمرنا نحجب النسوان
    مضمون خراب البيت على يد صاحبته
    اللى لا زمها كل يوم فستان
    (الفساتين ص : 267)
    إن بيرم لا يبتدىء - كما نرى فى بعض قصائده - بالصلاة على النبى وحسب ، وإنما سنلمح استخدمه لصيغة "فعايل" و"فاعل" فى تقفية قصائده ، وهى صيغة منتشرة فى نص السيرة الهلالية تحديدا (40).

    "يقول أبو زيد الهـلالى سلامـه
    ونيران قلبه زايـدات اللهـايب
    وعينى من كتر البكا قل شوفهـا
    جرى دمعى فوق خدى سكايب " (41)
    وكذلك :
    "يقول الفتى العلام عما جرى له
    الأيام والدنيا شوف العجايب
    فنحن الملاحم يا سلامه تدلنا
    من عهد تبع أرخت فى الكتايب" (42)
    إن بيرم قد استخدم "الافتتاحية " التى تبدأ بالصلاة على النبى لعلة تشابه علة الشاعر الشعبى ، لكنه يدخلك بعد تمهيده القصير إلى موضوع حيوى وأثير مثل : "حفر القنال" ، "لجنة ملنر"، "ضياع جغبوب" ، "الرياضه"000إلخ ، ويستخدم بيرم بعض الصيغ الأسلوبية مثل "يقول الفتى" و " أول ما نبدى القول" ، لكنه يصنع حسا مفارقا للسيرة ؛ حسا ساخرا تزيده الفصحى المتعاظلة سخرية ، إذن فنص بيرم يتناص مع بعض تيمات السيرة ، ليؤدى دورا مناهضا فى سرعة متلاحقة ، لا تعتنى بالتفاصيل على عكس السيرة التى تكون فيها إمكانات السرد أعلى من قيم المفارقة الشعرية .

    4- عناصر شعبية أخرى

    إن بيرم التونسى لم يشيد بناءه على أساسات ابن عروس والنديم ، وإنما أقام أساسا جديدا ، فهو يقدم نفسه / عالمه بعدِّه " آخر" له بناءاته التى لا تتخلى عن تراثها خاصة الشعبى منه ، فإذا كان بيرم قد استلهم ووظف واستخدم بنيات شعبية ، وذلك فى رحلته التناصية إلى الموال والمربع والسير ، فأن نصوصه لم تقتصر على العناصر المتصلة بالأدب وحسب ،وإنما
    قام باصطياد عدد من الموتيفات من الأغانى الشعبية ، إضافة إلى عدد من المعتقدات والعادات والتقاليد الشعبية المصرية ، وقد كانت عودته لها لا ليحاكيها ، بل ليستلهم بعضها ، وليتناقض مع بعضها الآخر، وربما عادت عناية بيرم الاستلهامية الفائقة إلى نشأته فى حى شعبى (الأنفوشى) ، وقد كان هذا الحى ومازال حى صيادى السمك وصناعة السفن وحملة التراث والمأثور الشعبى ، ومما يؤكد ذلك حكاية طريفة رواها محمد محمود بيرم التونسى مصورا الصراع بين الجزء الشرقى من حى الأنفوشى (السياله) والجزء الغربى من الحى ، وكانت المنافسة بينهما على أشدها فى صناعة السفن ومسابقات شم النسيم والقدرة على الغناء ، بعدها انتقلت المنافسة تأخذ شكلا زجليا بين الجزأين ، حيث كان فريق رأس التين يمر فى سفنه مرددا :
    أحيه عليكى يا سياله
    ياللى ما فيكى رجاله
    فيرد فريق السيالة وهو يطوف فى سفنه :
    قفة زفت قفة طين
    على دماغ راس التين (43)
    وقد ورث بيرم وأولا عمومته فى الأسكندرية عن جدهم (الذى حضر من تونس) مصنعا للحرير بشارع الميدان ، وكان أكبرهم يستأجر شاعر ربابة كل يوم ، لينشد لهم حكايات "أبو زيد الهلالى والزير سالم. وباستماعه لهذا الإنشاد ، تكونت لديه ملكة تأليف الأشعار البدوية التى اشتهر بها فى بعض رواياته بعد ذلك ، وقد كان يقضى أوقات فراغه فى قراءة الكتب الدينية والأدبية بالمعهد الدينى القريب منه ، وقد عثر فيها يوما على كتاب فى علم
    العروض ، وبعد أن ذاعت قصيدته " المجلس البلدى " ، وبيع منها خمسين ألف نسخة ، ترك عمله ليصدر مجلة سماها المسلة ، مصورا عليها مسلة كليوباترا التى كانت موجودة بالأسكندرية (44)، وغير خاف استلهام بيرم للتعبير الشعبى - غير ما تحمل من دلالات المصرية "عدوك بعله ونغزته بمسله " ليحيل على توجـه المجلة فى نخس المنحرفين بأزجاله الساخرة / المسلة / الإبرة الطويلة ، فضلا عن ارتحالاته المتعددة ليس فى أقاليم مصر وحدها وإنما إلى دول متعددة ، وفيها قد اطلع وسمع ومارس بعض هذه العناصر حين كانت تتمتع بخصوبة وثراء حين كتبها بيرم ، فلقد شاهد وعشق شعراء الربابة ، والأدباتية 000إلخ ، وقد تعامل بيرم مع هذه العناصر من خلال مستويات عدة :
    مستوى التضمين - مستوى التضفير - مستوى التحويل - مستوى الظلال (45)
    إن بيرم قد استلهم فى أزجاله أيضا نصوصا مثلية :
    "ياما ناس فى نعيم وفى نعمه وبتمشى على العجين "
    فهو يستدعى ضمنا المثل الشعبى المعروف "يمشى على العجين ما يلخبطوش" وهو يجتزىء المثل الشعبى "اللى يعيش ياما يشوف واللى يلف يشوف أكتر" فى قوله "وياما تشوف" ، كما يستدعى التعبير الشعبى "يجعل كلامنا خفيف عليهم " فى قوله :
    "يجعل كلامنا عليك سخسخ خفيف مشغول"
    كما سنجد عند بيرم نصوصا منتقدة لبعض العادات والتقاليد كعادات وتقاليد الولادة ومثالها قصيدة "النفاس" وما يستتبع ذلك من إسراف فى الإنفـاق ، والاعتماد على "الدايه" ، كما سنلمح إشاراته الدالة على عادة عمل "كحك العيد" .
    يقـول ابن البلد يعنى المهلهـل
    أنا والكحـك معمولى قضيـه
    بفضل الله طلع كحك السنادى
    بدون أحزان أو حادثه رديـه
    وسنلحظ حسه الانتقادى لهذه العادات ، فبيرم التونسى ليس له إيمانات الجماعة الشعبية بهذه العادات السيئة من وجهة نظره ، لذا فهو هنا العين الناقدة التى تتشوف الأمور بعيدا عن "الكتلة" المتماسكة التى هى جماع العادات والتقاليد والمعتقدات التى تنظم ف عقد يمثل منظومة قيم الجماعة . وعند بيرم سنلمح أجزاء تستلهم من الأغنية الشعبية بعض مفرداتها :


    على القهاوى يا ستاتنا
    عيونا حدارجه
    قاعدين عليكو بنتفرج
    واحنا الفرجه
    ففى المقطع الزجلى السابق ، سنجد مفردة "حدارجه" بظلالها الاعتقادية وهى التى تتردد فى عدد من النصوص الشعبية :
    "حدارجه بدارجه من كل عين زرجه
    دارجه بدارجه أمك طويله وعارجه"
    وبعد ، فإن عالم بيرم التونسى ، وعلاقته بالآخر الشعبى تواصلا ونفيا ، إحلالا وإزاحة ، استلهاما وتوظيفا يحتاج إلى عدد كبير من الدراسات تكون مهمتها محاولة الكشف عن جدل علاقته بالثقافة الشعبية ، وما هذه الدراسة إلا إسهاما أولا وأولية فى محاولة الكشف هذه .










  2. #2
    عضو نشط
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    128

    افتراضي

    اتصور ان الشعبى عند عمنا بيرم لم يكن اخر يرصده بيرم عن بعد او حتى عن قرب فقد كان الشعبى هو ذات الشاعر الذى امتزجت به وشكلته منذ عرف الحياه شعره
    وان كنت اتفق مع كثير مما حملته الدراسه من التحليل العروضى عند بيرم
    واخيرا اين الاخ علاء فى مثل هذه الموضوعات الهامه
    ام ان الشيخ كشك لم يقل شيئا عن عمنا بيرم

  3. #3
    عضو نشط
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    151

    افتراضي

    انا مقتنع تماما بان بيرم التونسى يستحق ما هو اكثر وان كنت اتصور ان نقد اشعار بيرم بشكل اكاديمى صرف يضر اكثر مما ينفع والافضل ان نقترب من بيرم الانسان فى اشعاره ونتحدث باستفاضة عن هذا فهذا افضل كثيرا خاصة بالنسبة لشاعر عملاق وصاحب تجربة ماساوية كبيرم التونسى
    اما بالنسبة للشيخ كشك فلا اظن ان علاء يقرا لبيرم او يهتم بمتابعة منتدى النقد ثم ان علاء مش واخد توكيل الشيخ كشك يعنى شيله من دماغك وانشغل بحاجة مفيدة احسن

 

 

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

Back to Top